جدل واسع في ألمانيا حول اختبار جديد لاكتشاف متلازمة داون

يمكن للآباء الآن معرفة إذا ما كان الجنين يحمل خللاً جينيا عن طريق اختبار دم الأم. وبينما يعتبر البعض هذا الفحص تطورا إيجابيا، يطرح آخرون تساؤلات حول مصير الأجنة المصابة وحول تأثير ذلك في نظرة المجتمع للمعاقين مستقبلا.ً

توصل العلماء في ألمانيا إلى اختبار جيني جديد يمكن من خلاله معرفة ما إذا كان الجنين في رحم الأم يحمل خللاَ جينيا يتمثل بوجود صبغيات تعرف باسم تريزومي واحد وعشرون المسببة لمتلازمة داون والتي تؤدي إلى إعاقات عقلية وجسدية. ويتم اكتشاف ذلك عن طريق فحص مخبري دقيق لبضع مليمترات من دم الأم ودون التسبب بأي أذى للجنين، خلافاً لطريقة الفحص القديمة والتي تقوم بفحص سائل المشيمة في رحم الأم والتي قد تؤدي إلى إصابة الجنين أو إلى قتله أحياناً.

إلا أن هذا الكشف العلمي أثار جدلا أخلاقيا في ألمانيا وتساؤلات عن مصير الأجنة التي يتم اكتشاف إصابتها بهذا الخلل الجيني، وما لذلك من تأثير في نظرة المجتمع للمعاقين مستقبلاً. وفي هذا السياق يقول فولفغانغ هوبر، عضو مجلس علم الأخلاق الألماني: “الأمر الحاسم هنا هو ألا يقود هذا الفحص تلقائياً إلى إجهاض الجنين. فإذا ما تحول هذا الفحص إلى سبب لإجهاض الأجنة، حتى وإن كان هذا بتأييد الأطباء، فسوف تكون هذه في نفس الوقت بداية لتقليص فرص الحياة للمعاقين”. ويتفق معه ماركوس شتوم، المتخصص في علم الجينات في مركز أبحاث الحمل والجينات قائلاً: “إذا تم طرح هذا الفحص من دون الإشارة إلى المخاطر المرافقة، فسوف يتحول الأمر إلى مشكلة كبيرة، وبالتالي فيجب مناقشتها على الصعيد الاجتماعي والسياسي”.

الرغبة في أبناء أصحاء واحترام الحق في الحياة؟

ومن جانبه انتقد رئيس الأساقفة روبرت تسوليتش في فرايبورغ هذا الاختبار مشيراً إلى العدد المتزايد من حالات الإجهاض في ألمانيا. ونقلت وكالة الأنباء الكاثوليكية قوله إن كل شخص “هو خاطرة حب من الله”. ورغم تفهمه لموقف الأهل ورغبتهم في إنجاب أطفال أصحاء، إلا أن مثل هذا الاختبار يؤدي إلى “قتل الأطفال الذين يوجد لديهم هذا المرض وهم في رحم أمهاتهم”. وأضاف: “نحن بالتالي نتخذ من هذه النية الإيجابية بالتخلص من الألم ذريعة لنقرر أي البشر يستحقون الحياة وأيهم لا يستحقونها. لكن الحياة بدون ألم لا وجود لها على الأرض”.

إلا أن رئيسة لجنة الصحة في البوندستاغ (البرلمان الألماني) كارولا رايمان، تدافع عن هذا الاختبار معتبرة أن “من حق النساء أن يقررن بأنفسهن إن كن يردن إجراء الاختبار أم لا”. كما أنها قالت في مقابلة مع صحيفة “نوين أوزنابروكر” أن لهذا الاختبار أيضاً أغراض طبية. وكان مفوض شؤون المعاقين في الحكومة الألمانية هوبرتوس هوبه، قد طالب بمنع تداول هذا الاختبار، واعتبر خبير القانون كلاوس فرديناند غيرديتس هذا الاختبار “غير قابل للتداول” لأنه يعرض حياة الأجنة للخطر، كما أنه يتعارض مع القانون القائل بأن الاختبارات قبل الولادة مسموحة فقط في إطار الضرورة الطبية.

الاختبار لا يتعارض مع القانون”

لكن حسب الوضع القانوني الحالي، لا يبدو أن الدواء سيتم إلغاؤه، إذ أن ولاية بادن فورتبمرغ، حيث الشركة المنتجة للاختبار، لن تمنعه لأن الشروط القانونية الواجبة لمنعه ليست موجودة حسب الوزيرة كاترين ألبيتر. “اختبار برينا” يسمح باكتشاف الإعاقة دون التدخل الجراحي داخل رحم المرأة. وهو ما تعتبره المتحدثة باسم وزارة الصحة في ولاية راينلاند بفالتز أمراً إيجابية قائلة: “لا نرى في المنع الطريق الصحيح”. أما رئيس منظمة الحفاظ على الحياة الألمانية روبرت أنترتر فقد حذر في حديث لجريدة “نوي أوزنابروكر” من “أن تطغي الرغبة في أبناء أصحاء على الحق في الحياة والكرامة الإنسانية”.

“للسعادة الأسرية أوجه عديدة”

قد تؤدي المعرفة الجينية إلى تغيير طريقة التعامل مع حالات الحمل الخطيرة والإعاقات، ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع تقبل المجتمع للأشخاص المعاقين في المستقبل. وهو ما تجده كاترين باتشاك، الزوجة والأم لطفلين، أحدهما مصاب بمتلازمة داون، أمراً سلبياً للغاية، معتبرة أن للسعادة الأسرية أوجهاً عديدة. وتنصح الآباء قائلة: “على الآباء ألا يسمحوا بهذا الخيار والاحتمال الطبي الزائف أن يشكل ضغطاً عليهم، وقد لا يؤدي في الحقيقة إلى تخفيف مشكلتهم”. كان كل من كاترين وزوجها أكسيل تيك مقتنعين برأيهما الرافض لإجراء أي فحص لجنينهما قبل الولادة. ولدت ابنتهما يورديس قبل اثني عشر سنة بصحة جيدة، أما ابنهما لينرت فولد قبل تسع سنوات مصاباً بمتلازمة داون. لكن أكسل يؤكد- أنه كان سيتخذ نفس القرار الذي اتخذه سابقا لو عاد الزمن إلى الوراء.

إلا أن كاترين وأكسيل لا يمثلان بالضرورة أغلبية الآباء، فبيريت فيشر تفضل التأكد من سلامة جنينها، وهذا ما جعلها تحدد موعداً لفحص سائل المشيمة لديها. وتقول في هذا السياق: “أنا قلقة فعلاً من أن يكون جنيني مصاباً بهذا المرض. وأخشى من عواقب هذا الاكتشاف الذي يحتم علي اتخاذ قرار بإبقاء الجنين أوإجهاضه. هذا أمر مقلق، فأنت ترى طفلك السليم وعائلتك السليمة وتخشى من أن يشكل وجود طفل مريض عبئاً عليك”. يذكر أن أكثر من تسعين بالمائة من النساء الحوامل اللاتي يجرين هذا الاختبار ويكتشفون أن طفلهم مصاب بالمرض، يقدمون على الإجهاض حسب إحصائيات جمعيات المعاقين.

(س.ك/DW، د.ب.أ، أ.ف.ب)

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف أخبار الصحة والطب. الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليقاً